يحيى العامري الحرضي اليماني

376

غربال الزمان في وفيات الأعيان

سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة توفي أبو محمد هياج بن عبيد « 1 » العابد الزاهد ، كان يفطر على ماء زمزم ، ولا يطعم الطعام ثلاثا ، فإذا كان اليوم الثالث من أتاه بشيء أكله ، وكان قد نيف على الثمانين ، وكان يعتمر في كل يوم ثلاث عمر ماشيا ، ويدرّس عدة دروس لأصحابه ، ويزور قبر النبي صلّى اللّه عليه وسلم في كل سنة من مكة حافيا ذهابا وإيابا . روى عن أبي ذر الهروي وطائفة . سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة أبو الحسن [ علي بن محمد ] « 2 » الصّليحي القائم باليمن ، كان أبوه قاضيا باليمن ، سني العقيدة ، وكان الداعي عامر بن عبد اللّه الرواحي يتردد إليه لرياسته وصلاحه ، فاستمال الداعي ولده المذكور وهو دون البلوغ . قيل : إنه رأى حليته « 3 » في كتاب الصور وتنقل حاله وما يؤول إليه ، وهو عندهم من الذخائر القديمة المظنونة ، فأطلعه على ذلك ، وكتمه عن أبيه وأهله ، ومات الرواحي عقيب ذلك على القرب ، وأوصى له بكتبه ، فعكف على درسها مع فطنته ، فلم يبلغ الحلم حتى تضلع من علم الباطنية الضلالية الأوهامية الإسماعيلية ، متبصرا في علم التأويل المخالف لمفهوم التنزيل ، ثم صار يحج بالناس دليلا في طريق السروات والطائف خمس عشرة سنة ، وشاع في الناس أنه يملك اليمن بأسره ، وكان يكره من يقول له ذلك ، فلما كان سنة تسع وعشرين وأربعمائة ارتقى جبل مسور ، وهو أعلى جبال اليمن ذروة ، ومعه ستون رجلا قد حالفهم بمكة على الموت ، فلما صعده لم ينتصف النهار حتى أحاط به عشرون ألف ضارب ، وقالوا : إن نزلت وإلا قتلناك بالجوع ، فقال لهم : لم أفعل هذا إلا خشية أن يركبه غيرنا ويملكونكم ، فإن تركتموني وإلا نزلت ، فانصرفوا عنه ،

--> ( 1 ) كذا في ب ومرآة الجنان 3 / 102 ، وفي الأصل : علي بن محمد هياج . ( 2 ) زيادة من ب . ( 3 ) في ب : حليته .